مجموعة مؤلفين
286
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
« هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور » ( الملك - 15 ) ويقول سبحانه : « ليأكلوا من ثمرة وما عملته أيديهم ، أفلا يشكرون » ( سورة يس - 35 ) ويقول النبي ( ص ) : « اعقل وتوكل » ( أي اربط الدابة حتى لا تشرد ثم توكل على اللّه ) . وقال الإمام ( ع ) : « قد تكفل لكم بالرزق ، وأمرتم بالعمل » ( الخطبة 114 نهج ) . والرزق شأن كل ما قدّر اللّه تعالى ، وكتبه في اللوح المحفوظ ، يكون أحد نوعين : 1 - الرزق المحتوم : وهو يأتي على أي حال . وهو ما عبّر عنه الإمام ( ع ) بقوله : « ورزق يطلبك ، فإن لم تأته أتاك ) . 2 - الرزق المخروم : وهو مشروط بالعمل أو بغيره من الأسباب ، فإذا قام الانسان بشرطه استحقه . ولهذا كان على الانسان العمل ، ثم تسليم أمره إلى اللّه . يقول الإمام علي ( ع ) : « وليس للعاقل أن يكون شاخصا إلّا في ثلاث : مرمّة لمعاش ، أو خطوة في معاد ، أو لذة في غير محرم » ( الحكمة 390 نهج ) . فتراه ( ع ) يعتبر الرزق من خصال المؤمن الحميدة ، ويقرن بينه وبين العبادة للهّ . لكنه من الغباء بمكان أن يتكالب الانسان على العمل والنّصب ، ظنّا منه أن رزقه متناسب مع ذلك ، لا بل إن شدة الحرص وكثرة السعي يورثان الفقر . ومفاد ذلك ما ورد في الاخبار ، أن الذي يأتي إلى السوق أول من يأتي ، وينصرف منه آخر من ينصرف ، ينقص ذلك من رزقه . وما أجمل الاعتدال في كل الأعمال . يقول الإمام علي ( ع ) : « إنّ اللّه لم يجعل للعبد وإن عظمت حيلته واشتدت طلبته وقويت مكيدته ، أكثر ممّا سمّى له في الذكر الحكيم ( أي اللوح المحفوظ ) . ولم يحل بين العبد في ضعفة وقلة حيلته وبين أن يبلغ ما سمّى له في الذكر الحكيم » ( الحكمة 273 نهج ) . ومن كتاب للإمام ( ع ) إلى عبد اللّه بن العباس : « أما بعد ، فإنك لست بسابق أجلك ، ولا مرزوق ما ليس لك . واعلم بأن الدهر يومان : يوم لك ويوم عليك . وأن الدنيا دار دول ، فما كان منها لك أتاك على ضعفك ، وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك » ( الخطبة 311 نهج ) . الابتلاء بين الفقير والغني : ولقد جعل سبحانه وجود الفقير والغني ، كل منهما ابتلاء للاخر . فوجود الفقراء هو